غزة-دعاء شاهين
بخظوات متثاقلة سارت نحو السيارة التى ستقلها إلى المحكمة الشرعية لعقد قرانها على ابن عمها (25 عاماً)، ويكبرها بعشرة أعوام.
بصوت أجش قريب للبكاء وبنظرات الرجاء التفتت ريم (15 عاما) إلى أبيها المصاب بمرض السرطان، وهمست في أذنه: “لا تزوجني، لا زلت طفلة”، ليأتيها رده: “السُترة حلوة، وانت حتتزوجي ابن عمك، وسيحافظ عليكِ، وأنا قد أموت في أي لحظة بسبب مرضي، وأريد أن اطمئن عليكِ”.
سقطت تلك الكلمات على ريم (اسم مستعار) كالرصاص، ولاذت بالصمت طول الطريق حتى وصلت الى المحكمة، وعصفت بها الأفكار: ماذا يعني زواج؟!.
وتستذكر ريم، التي مضى على زواجها المبكر ستة أعوام، اللحظة التي أبلغها فيها والدها بالزواج، وقالت: “كنت العب مع صديقاتى بين أزقة المخيم في شمال قطاع غزة، عندما نادى عليّ والدي، وقال لي تعالي ادخلي البيت، أنت الآن ستصبيحين امرأة متزوجة، كبرتي واتركى اللعب مع الأطفال”.
لم تعٍ ريم في ذلك الوقت معنى حديث والدها، وقالت: “ما هي إلا أيام قليلة حتى اجتمع أبي وأعمامي وقرأوا الفاتحة فيما بينهم، وكنت وقتها لا أدرك ماذا تعني قراءة الفاتحة، وما هو الزواج، وكيف سأكون عروس وأنا لا زلت ألعب بعروستي البلاستيكية!”.
أيام أخرى قليلة، كانت ريم في المحكمة، وأمام قاضي سألها بنبرة جادة: هل تقلبين الزواج من ابن عمك؟، “حينها تجمد الدم في عروقي، وتلعثمت في الرد، ليسبقني عمي ذو القامة الطويلة والجسم الممتلىء، ويقول بصوت خشن: آه بتقبل يلا خلصونا بدنا نروح نزف العرسين” والحديث لريم.
كان عم ريم، وهو والد زوجها، وصاحب السلطة على أسرة أخيه بسبب مرضه الخطير، يُدرك أن القاضي لن يعقد القران، بسبب صغر سنها، فاستبق الأمر بتزوير شهادة ميلادها.
تقول ريم: “كنت أتمنى أن يكتشف القاضى التزوير ويمنع الزواج ويشفق على حالتي، لكن لم يحدث ذالك، ولم ينصفني أحد”.
لم يمضِ على زواجها شهور قليلة، حتى بدأ الالحاح عليها للانجاب، وتحميلها المسؤولية، واصطحبها عمها إلى أطباء عدة، وكان التشخيص واحد: “ما تزال طفلة”، ولم يكتمل نمو جسدها، اصبروا عليها.
أضافت ريم: “بسبب ذلك كانوا يعاملونني معاملة قاسية كأنني مجرمة”.
ومع مرور السنين، أنجبت ريم ثلاث إناث، لكن المعاملة ازدادت قسوة من زوجها، الذي لا يكتف باهانتها، بل ويضربها بعنف “لأتفه الأسباب”، بواسطة بحزام بنطاله الجلدي.
وتقول ريم، وهي تهدهد طفلتها المريضة بين ذراعيها: “كنت أكبر شقيقاتي، وكان حلمي أن أصبح معلمة، لكنهم حرموني من حقي في استكمال تعليمي، وبدلاً من حمل شنطتي المدرسية، حملت مسؤولية أطفال، وسلبني الزواج حلمي وصحتي، حيث أعاني من مرض تجلط الدم نتيجة زواجى المبكر، وأصبت بفقدان الرؤية لفترة قبل أن استرد نظري، لكن ليس تماماً، فلا زلت أعاني ضعف الرؤية، وانتظر استكمال اجراءات التحويلة الطبية للسفر من أجل العلاج خارج قطاع غزة”.
تجربة الحياة القاسية التي مرت بها ريم، لا تريدها لطفلاتها الثلاث، وأصغرهن عمرها سنتين وأكبرهن في الخامسة، وتُبدي حرصاً كبيراً على تعليمهن أفضل تعليم والدفاع عن حقوقهن، كي لا يقعن “فريسة الزواج المبكر مثلي”.
قصة ريم، واحدة من قصص كثيرة، لفتيات كنّ ضحية العادات والتقاليد، التي تسلب الفتاة حقها في الاختيار، وتسرق منها سنوات طفولتها البريئة، وسط غياب واضح للهيئات القانونيّة والتشريعيّة، وعدم وجود لوائح تردع كلّ من يجبر ابنته على الزواج قبل بلوغها السن القانونية، وفقاً لمختصين.
ويعرّف قانون الطفل الفلسطينى رقم (7) لسنة 2004 فى المادة الأولى الطفل بأنه “كل انسان لم يتم الثامنة عشر من عمره”.

زواج سبب الشلل
“كنت أسكن مع زوجي فى غرفة أشبه بالزنزانة، عشت فيها قرابة أربعة أعوام، حُرمت خلالها من أبسط حقوقي”، بهذه الكلمات لخصت ياسمين (اسم مستعار) تجربتها القاسية مع الزواج المبكر في عمر 15 عاماً.
ترتاد ياسمين (22 عاماً)، حالياً، مركز صحة المرأة، للعلاج نفسياً مما حلّ بها بعد تجربة زواج قاسية استمرت أربعة أعوام.
أصيبت ياسمين بشلل نصفي، وكانت تجلس على مقعدها المتحرك، وهي تتحدث إلى الاختصاصية النفسية في المركز، وانهمكت في سرد تجربتها المريرة: “كانت ظروف أسرتي الاقتصادية سيئة جداً، ومعاملة زوجة أبي أشد سوءاً، وهرباً من هذا الواقع وافقت على الزواج من شخص يكبرني بأحد عشر عاماً”.
لكن الزواج لم يكن إلا حلقة جديدة من فصول معاناتها، زوج يضربها وينعتها بـ “البلهاء”، وأمه تعاملها كخادمة، “وعندما لا أطيعها تحبسنى في الغرفة وتحرمني من الخروج”، تقول ياسمين والدموع تترقرق في عينيها.
ولا تنسى ياسمين حرمان زوجها لها من وداع والدها الذي استشهد خلال الحرب الإسرائيلية الثانية على قطاع غزة في العام 2012.
قبل نحو عامين، طلقها زوجها بعدما أصيبت بشلل نصفي، ولم يكتف بذلك، بل حرمها من رؤية طفليها، وتضطر إلى رؤيتهم “خلسة” من دون علمه.

وبحسب دراسة أعدها مركز شؤون المرأة، فإن أبرز أسباب الزواج المبكر هو العادات والتقاليد بنسبة 35 في المئة.
وأشارت نتائج الدراسة إلى أن 63 في المئة من نساء العينة تعرضن للعنف خلال فترة زواجهن، و 82.6 في المئة تعرضن لنوبات بكاء باستمرار من دون سبب خلال فترة زواجهن، و79.6 في المئة منهن شَعرن بالإحباط واليأس، و77.3 في المئة شعرن بالندم والضيق بمجرد تفكيرهن أنهن تزوجن في سن مبكرة.
وأوضحت مارسيل المصرى المحامية لدى مركز صحة المرأة أن شمال قطاع غزة يشهد أكثر حالات زواج القاصرات.
وأكدت أن الزواج المبكر يُشكل انتهاكاً مباشراً لحقوق الفتيات وطفولتهن، ويجب منعه بما يتوافق مع القانون، واعتماد سن 18 عاما كحد أدنى لزواج الفتاة والشاب.
وقالت المصري إن القاصرات غير مكتملات جسدياً وفكرياً، فتنشب المشكلات الزوجيّة، جراء عدم قدرتهنّ على تلبية متطلبات الزوج المعيشيّة والجنسيّة أيضاً، الأمر الذي يسبّب الطلاق في أحيان كثيرة.
ويقول المحامى والناشط الحقوقي كارم نشوان: “لا يوجد قانون موحّد في الضفة وغزة، ما يسبب زيادة نسبة الزواج المبكر”.
واعتبر أن الانقسام ساهم في بقاء القوانين القديمة، التى تسمح بزواج الفتيات في سن التاسعة، والشاب في سن الثانية عشر من عمره.

الأطفال يدفعون الفاتورة الأكبر للطلاق

16 مارس، 2017

غزة-مريم السقّا كانت سامية ترتدي ملابسها وتعتني بنفسها استعدادا لاصطحاب المزيد ..

الأبناء “ضريبة” الطلاق وورقة ابتزاز!

14 مارس، 2017

غزة-حنين العثماني لم تستمر تجربة أحمد في الزواج طويلاً، حتى تسللت المشكلات المزيد ..